بوابة أعظم أيام الدنيا وفضلها في الشريعة
الإسلامية في الفاتح من ذي الحجة
مع إشراقة الفاتح من ذي الحجة، تفتح الأمة الإسلامية صفحة جديدة مع موسم من أرقى وأعظم مواسم الطاعات في العام؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد بداية شهر هجري جديد، بل هو تدشين للعشر الأوائل من ذي الحجة التي أقسم الله بها في كتابه العزيز، وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم أفضل أيام الدنيا على الإطلاق وفق ما استقرت عليه أمهات الكتب في العقيدة والفقه السني.
وفي هذا المقال، سنبحر معاً في رحلة إيمانية لنستعرض مكانة هذا الفاتح من ذي الحجة المبارك، والأدلة الشرعية التي رفعت من شأنه، وأبرز الأعمال المستحبة التي ينبغي للمسلم الحرص عليها منذ اللحظة الأولى لرؤية الهلال.
مكانة الأول من ذي الحجة والأيام العشر
تكتسب الأيام الأولى من شهر ذي الحجة تميزاً فريداً في الفقه السني لكونها تشهد اجتماع أمهات العبادات التي لا تجتمع في غيرها قط؛ ففيها الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج إلى بيت الله الحرام.
وقد نصّ علماء أهل السنة والجماعة، كالحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام ابن القيم، على أن أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة، وإن كانت ليالي رمضان أفضل لاشتمالها على ليلة القدر. ومن هنا، فإن الفاتح من ذي الحجة هو نقطة الانطلاق في هذا السباق الإيماني الكبير.
الأدلة الشرعية من القرآن والسنة النبوية
استند علماء المذهب السني في تعظيم الفاتح من ذي الحجة والأيام التي تليه إلى نصوص محكمة من الوحيين:
أدلة من القرآن الكريم
أجمع جمهور المفسرين من السلف الصالح على أن الليالي العشر التي أقسم الله بها في سورة الفجر هي عشر ذي الحجة، حيث قال تعالى: "وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ''.
والقاعدة التفسيرية تقول إن الله العظيم لا يقسم إلا بعظيم، وفي هذا تنويه ظاهر بشرف هذه الأيام وفضلها. كما أنها هي الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج: "وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ".
أدلة من السنة النبوية المطهرة
أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ" يَعْنِي أَيَّامَ العَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".
هذا الحديث يُعد الأصل الأصيل في تفضيل العمل الصالح في هذه الفترة، ويوضح أن العبادة النافلة فيها قد تفوق في أجرها ثواب الجهاد في سبيل الله.
الأعمال المستحبة بدءاً من الفاتح من ذي الحجة
يتفق فقهاء المذاهب الأربعة : الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على استحباب حشد الهمم والاجتهاد في العبادة بدءاً من اليوم الأول للشهر. ومن أهم هذه الأعمال:
صيام الأيام التسع الأولى:
يُندب للمسلم غير الحاج صيام الأيام التسعة الأولى من شهر ذي الحجة، أو ما تيسر منها، وتتأكد هذه السُّنّة في يوم عرفة وهو اليوم التاسع.
إحياء شعيرة التكبير والذكر:
يُستحب الجهر بالتكبير والتحميد والتهليل في البيوت، والمساجد، والأسواق بدءاً من فجر اليوم الأول من ذي الحجة. والصيغة المأثورة عن الصحابة: *"الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".
التوبة الصادقة والرجوع إلى الله:
إن تجديد العهد مع الله بالإقلاع عن الذنوب والمعاصي هو خير ما يستفتح به المسلم هذه المواسم الفاضلة، ليكون قلبه مهيأً لاستقبال النفحات الربانية.
الصدقة وصلة الأرحام:
إن الإنفاق في وجوه الخير وإدخال السرور على الفقراء والمقربين في هذه الأيام يتضاعف أجره بشكل لا يتكرر في بقية شهور السنة.
مستحبات للمضحين
روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ".
بناءً على هذا الحديث، يلتزم المسلم الذي ينوي الأضحية بالإمساك عن قص شعره وأظفاره من لحظة ثبوت هلال الفاتح من ذي الحجة وحتى الفراغ من ذبح أضحيته يوم العيد.
إن الفاتح من ذي الحجة ليس مجرد رقم في التقويم، بل هو إعلان عن انطلاق مهرجان العبادة السنوي الذي تفتح فيه أبواب القبول على مصراعيها. والسعيد من اغتنم هذه الساعات والدقائق بالتقرب إلى الله، والحرص على سُنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم، عسى أن يكتبه الله في زمرة المقبولين والمغفور لهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق