أسرار الجمعة الثانية، ويوم التروية،
وشوق القلوب لبيت الله العتيق
تهب علينا مع دخول شهر ذي الحجة نسائم الرحمة الربانية، لتوقظ في القلوب شوقاً دفيناً إلى خالقها. إنه الشهر الثاني عشر في التقويم الهجري، وخاتمة الأشهر الحرم التي عظمها الله سبحانه وتعالى ونهى عن الظلم فيها.
وقد أقسم الله جل جلاله بأيامه الأولى في سورة الفجر قائلاً: "وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ"، وهي الأيام المعلومات التي حثنا الله على ذكره فيها في سورة الحج: "لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ".
وإذا كنا نتحدث عن فضل هذه الأيام المباركات، فإننا نقف بإجلال أمام محطة إيمانية فارقة، وهي الجمعة الثانية من ذي الحجة؛ التي يتزامن مجيئها مع اليوم الثاني عشر من ذي الحجة. ففي هذا التزامن العظيم، تلتقي فضائل الزمان، وتتضاعف الرحمات لتشمل حجاج بيت الله الحرام، وعموم المسلمين في شتى بقاع الأرض.
يوم الجمعة: عيد المسلمين ومظنة الإجابة
من خصائص الأمة المحمدية أن هداها الله ليوم الجمعة، فهو خير يوم طلعت عليه الشمس، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها. وفي الجمعة ساعتان لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه؛ ساعة في الثلث الأخير من الليل، وساعة الاستجابة قبل غروب شمس الجمعة.
ومن أعظم مبشرات هذا اليوم أن الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغش الكبائر. ولذا، يُسن للمسلم في هذا اليوم الاغتسال، والتطيب، ولبس أحسن الثياب خصوصا منها الثوب الأبيض الذي يعتبر أفضلها، والتبكير للمسجد، وقراءة سورة الكهف، والإكثار من الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم.
يوم التروية: وقفة مع أبي الأنبياء إبراهيم
تتجلّى عظمة الجمعة الثانية من ذي الحجة حين توافق أو تقارب يوم النفر الأول. ويوم النفر الأول هو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة وفيه يجوز فيه للحاج المتعجل مغادرة مشعر "منى" قبل غروب الشمس والعودة إلى مكة لإتمام طواف الوداع بدلاً من البقاء لليوم الثالث حجاج بيت الله كانوا يتروون فيه من الماء، فيحملونه معهم استعداداً للوقوف بعرفات والمبيت بمنى.
- ومن مناسك الحج في هذا اليوم رمي الجمرات الثلاث: يبدأ الحجاج رمي الجمرات في جمرة العقبة بسبع حصيات، مع التكبير والدعاء بعد كل رمية.
- النفر من منى: بعد رمي الجمرات، يجوز للحاج النفر من منى والتوجه إلى مكة المكرمة.
- طواف الوداع: عند الوصول إلى مكة، يقطوف الحاج طواف الوداع حول الكعبة المشرفة، سبعة أشواط، مع التكبير والصلاة على النبي، والدعاء.
- سعي بين الصفا والمروة: بعد طواف الوداع، يقوم الحاج بالسعي سبع مرات بين الصفا والمروة، ذهاباً وإياباً.
- التقصير أو الحلق: بعد السعي، يحلق الرجال شعر رؤوسهم أو يقصرونه، بينما تقصر النساء شعرهن.
- التحلل من الإحرام: بعد التقصير أو الحلق، يتحلل الحجاج من الإحرام، وذلك بارتداء الملابس العادية.
أنين المشتاقين ودعاء المرجين
ومع سماع تكبيرات الحجاج وتلبيتهم المدوية: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك"، تخفق قلوب الذين أقعدهم العذر عن بلوغ المسجد الحرام. لكن فضل الله واسع؛ فإذا كان الحج المبرور يكفر الذنوب حتى يرجع العبد كيوم ولدته أمه، فإن الدعاء المخلص في ليلة الجمعة الثانية من ذي الحجة ويومها هو باب عظيم من أبواب الوصل مع الله.
وكما أنه لا توجد صيغة واحدة محددة للدعاء، فالله قريب مجيب يسمع أنين الصادقين، ولكن من أروع ما يفيض به القلب في هذه الأوقات المباركة:
- اللهم إنا ندعوك في الجمعة الثانية من ذي الحجة المبارك أن ترزقنا الحج والعمرة من حيث لا ندري ولا نحتسب، وأن تيسر لكل مشتاقٍ زيارة بيتك الحرام، ولا تجعلنا من المحرومين.
- اللهم احشرنا تحت لواء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً.
- اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.
- اللهم يا من يعطي الكثير بالقليل، ويا من يعطي من سأله ومن لم يسأله تحنناً ورحمة؛ أعطنا بمسألتنا إياك جميع خير الدنيا والآخرة، واصرف عنا شر الدنيا والآخرة.
- اللهم إنّي أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال.
إن الثاني من ذي الحجة، وما يتلوه من أيام وصولاً إلى الجمعة الثانية ويوم النفر الأول ويوم النفر الثاني، هي مواسم زراعة للآخرة، وأيام لا تُعوض.
فلنجعل من هذه الأيام فرصة لغسل القلوب من الضغائن، وتجديد العهد مع الله بالذكر والصدقة، والدعاء الملحّ بأن يحفظ الله أمتنا، وأن يرزقنا سجدة خالصة في رحاب بيته العتيق، توفنا بعدها وهو راضٍ عنا.
نسأل الله العلي القدير أن يتقبل من الحجاج حجهم، وأن يغفر للمسلمين أجمعين، وأن يعيد علينا هذه الأيام بالخير واليُمن والبركات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق